الجزاء الأخير: بين الحياة الجديدة والمصالحة الصعبة. دخلتُ دوار عائلة ابن عمي في الصعيد، وكنتُ مذهولة بحفاوة الاستقبال. النساء التففن حولي بالزغاريد والترحاب، والرجال يهنئون ابن عمي "سيد" على عودتي. نُقشت الحناء على يديَّ، وارتديتُ الملابس الصعيدية الأنيقة التي أعدتها لي زوجات أعمامي.
لأول مرة منذ سنوات، شعرتُ بأني ابنة مدللة، ولي مكانة وقيمة. ابن عمي "سيد"، ذلك الرجل ذو الهيبة، أثبت أنه "أخ" بحق. لم يكتفِ بتوفير المسكن والمشرب، بل اهتم بتعليمي. نقل ملفي المدرسي وبدأ يتابع مذاكرتي بنفسه، ويجلس معي لساعات ليشرح لي ما يصعب عليَّ، ويشجعني بكلمات حازمة وحنونة في آن واحد.
كان يحرص على أن أختلط بباقي بنات العائلة وأزور الأقارب، ليعوضني عن سنوات العزلة في بيت خالتي. أما خالتي، فبعد رحيلي بأيام، فوجئت بابن عمي "سيد" يزورها، ولكن بلهجة حازمة. طلب منها التوقف تماماً عن الحديث عني وعن حياتي مع الجيران، وهددها باتخاذ إجراءات صارمة إن فعلت ذلك.
أخبرها أن أمي ستقوم بإرسال مصروفها الشهري المعتاد، ولكن من أجل "العيش والملح" القديم، وليس من أجلها هي. الجارة التي شتمتني اعتذرت لوجه الله، خوفاً من غضب "سيد" الذي سمعت عن بأسه الكثير. أصعب جزء في الحياة الجديدة كان "أمي". في يوم، اتصل بها "سيد"، وكان صوته جافاً وواضحاً.
أخبرها بما حدث، وبأني الآن أعيش تحت حمايته. في البداية، حاولت أمي التبرير: "يا سيد، أنا كنت بعمل كدة عشانها، عشان تتربى في بيت هادي..." قاطعها "سيد" بحزم: "الهادي يا أم.. يا "فلانة"؟ الهادي في بيت بتُرمى فيه زي العفش؟ الهادي وسط جيران بيعايروها بأمها؟ دي أمانة عندك، مش ملطشة!
" أمي حاولت التكلم، لكنه قال: "أنا مش عايز أتكلم في اللي فات. أنا اتصلت عشان أبلغك، وعشان أقولك، البنت عايزة تكلمك. بس لو كلمتيها بأي كلام جارح، أو قولتي "مش فاضية", مش هتشوفي وشها تاني أبداً." أمي صمتت لفترة، ثم قالت بصوت مبحوح: "خليني أكلمها.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.